من هنا نبدأ ... المساهمة الوطنية في دعم الاقتصاد وسداد الديون مشروع قومي يحتاج إلى الدراسة والحوكمة

في كثير من الأحيان تسبق الأحكامُ المسبقةُ الفكرةَ نفسها وتصبح ردود الفعل أسرع من التقييم الموضوعي وهو ما حدث

من هنا نبدأ ... المساهمة الوطنية في دعم الاقتصاد وسداد الديون مشروع قومي يحتاج إلى الدراسة والحوكمة
من هنا نبدأ ... المساهمة الوطنية في دعم الاقتصاد وسداد الديون مشروع قومي يحتاج إلى الدراسة والحوكمة

د. مدحت يوسف

في كثير من الأحيان تسبق الأحكامُ المسبقةُ الفكرةَ نفسها وتصبح ردود الفعل أسرع من التقييم الموضوعي وهو ما حدث مع المقترح الذي تقدم به النائب محمد بلتاجي بشأن إطلاق مبادرة وطنية تقوم على مساهمة القادرين والمقتدرين في دعم الدولة والمشاركة في تخفيف أعباء الدين العام.

فور طرح الفكرة شهدت منصات التواصل الاجتماعي حالة من الهجوم والرفض والسخرية قبل أن يمنح كثيرون أنفسهم فرصة للتأمل في جوهر المقترح أو انتظار توضيح النائب لتفاصيله وآلياته وحدوده. والحقيقة أن أي فكرة تمس حاضر الوطن ومستقبله لا يجب أن تُقابل بردود فعل انفعالية بل يجب أن تُناقش بعقلانية خاصة إذا كانت تهدف في النهاية إلى حماية المواطن البسيط والحفاظ على استقرار الدولة وتقليل الأعباء التي يتحملها الجميع بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

ومن المهم التأكيد أن الحديث هنا لا يدور أبداً حول مطالبة الفئات البسيطة أو أصحاب الدخول المحدودة بتحمل أعباء إضافية فهذه الفئات تكافح بالفعل لتوفير احتياجاتها اليومية الأساسية ولا يجوز بأي حال تحميلها ما يفوق قدرتها. كما أن الفكرة لا يمكن أن تُطبق بصورة متساوية على الجميع لأن العدالة الاجتماعية الحقيقية لا تعني المساواة المطلقة بل تعني أن يساهم كل فرد بما يتناسب مع قدرته وإمكاناته وثروته.

فمن يمتلك المليارات ليس كمن يمتلك الملايين ومن يمتلك الملايين ليس كمن يكافح لتأمين متطلبات أسرته. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون أي مشروع وطني قائم على المساهمة المجتمعية مبنياً على أسس عادلة ومدروسة بحيث تتحمل الفئات الأكثر قدرة نصيباً أكبر من المسؤولية الوطنية ليس من باب الضغط أو الاستهداف ولكن من باب الواجب الوطني والمشاركة في حماية استقرار الدولة التي كانت سبباً في نجاح الجميع.

والتاريخ العالمي يقدم لنا نماذج عديدة تؤكد أن مساهمة المواطنين في دعم دولهم وقت الأزمات ليست أمراً جديداً أو مستهجناً. ففي الولايات المتحدة الأمريكية أطلقت الحكومة خلال الحرب العالمية الأولى عام 1917 ما عُرف باسم Liberty Bonds ثم أعادت التجربة خلال الحرب العالمية الثانية من خلال War Bonds وشارك ملايين المواطنين في شراء هذه السندات لدعم الاقتصاد والمجهود الوطني.

وفي المملكة المتحدة تم إطلاق برامج مشابهة خلال الحربين العالميتين كما تم إنشاء صندوق قومي عام 1928 يعرف باسم The National Fund بهدف المساهمة في سداد جزء من الدين القومي البريطاني.

وفي اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية شارك المواطنون والشركات ورجال الأعمال في دعم خطط إعادة البناء سواء من خلال الضرائب الاستثنائية أو شراء السندات الوطنية أو تحمل إجراءات تقشف مرحلية ساعدت على استعادة قوة الاقتصاد.

بل إن التجربة المصرية نفسها تقدم مثالاً قريباً وملهماً عندما أطلقت الدولة في عهد فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي مشروع شهادات استثمار قناة السويس الجديدة عام 2014 واستجاب ملايين المصريين بصورة غير مسبوقة وتم جمع عشرات المليارات خلال أيام قليلة لأن المواطنين شعروا أن هناك مشروعاً وطنياً واضحاً وأن أموالهم ستذهب إلى هدف معلوم ومحدد وأن الدولة تقدم ضمانات واضحة وتحترم ثقة المواطنين.

ومن هنا فإن جوهر النقاش لا يجب أن يكون حول رفض الفكرة أو قبولها بصورة مطلقة بل حول كيفية حوكمتها وتنظيمها وضمان نجاحها. فمثل هذه المبادرات لا يمكن أن تعتمد على الحماس العاطفي وحده بل تحتاج إلى إطار قانوني وتشريعي واضح يحدد مصادر الأموال والفئات المستهدفة وآليات الجمع وطرق الإنفاق والجهات الرقابية وكيفية إعلان النتائج للرأي العام بكل شفافية.

كما أن الأمر يحتاج إلى تشريع واضح يضمن أن أي مبالغ يتم جمعها ستُخصص بالفعل لسداد جزء من الدين العام أو تخفيف أعبائه وليس لأي أغراض أخرى. ويجب أن يكون هناك التزام حكومي معلن بنشر تقارير دورية توضح حجم الأموال التي تم جمعها وكيف تم استخدامها وما النتائج التي تحققت على أرض الواقع.

وفي الوقت نفسه فإن الحديث عن تخفيف أعباء الديون لا يرتبط فقط بالمساهمات المالية المباشرة بل يرتبط أيضاً بثقافة عامة يجب أن تسود المجتمع تقوم على ترشيد الإنفاق وتقليل المظاهر المبالغ فيها والحد من البذخ الذي نشاهده أحياناً في بعض المناسبات سواء في الأفراح أو المآتم أو الولائم أو المظاهر الاجتماعية التي قد تُنفق فيها ملايين الجنيهات خلال ساعات قليلة.

ولو اتفق أبناء الوطن ولو لفترة محدودة لا تتجاوز ستة أشهر على تخفيف بعض أوجه الإنفاق غير الضروري وتحويل جزء بسيط منها إلى مساهمات وطنية منظمة ومدروسة فإن ذلك يمكن أن يحقق أثراً كبيراً ليس فقط على المستوى المالي بل أيضاً على مستوى تعزيز روح التضامن والانتماء والشعور بالمسؤولية المشتركة.

لكن نجاح أي مشروع وطني بهذا الحجم يتطلب أن يكون تحت رعاية مباشرة من القيادة السياسية لأن ذلك يمنحه الثقة والجدية والقدرة على التنفيذ كما يتطلب مشاركة المؤسسات الرقابية والبرلمان والبنك المركزي والجهات الاقتصادية المختصة حتى يشعر المواطن أن هناك منظومة متكاملة تحمي الفكرة وتحمي أمواله وتحمي الهدف الوطني منها.

كما أن الدولة تحتاج بالتوازي إلى تشريعات جديدة تنظم الاقتراض الخارجي والتمويلات الدولية بحيث يكون هناك سقف واضح وآليات دقيقة تضمن عدم تحميل الأجيال القادمة أعباء تفوق قدرتها لأن إدارة الدين العام لا تقوم فقط على السداد وإنما تقوم أيضاً على حسن التخطيط للمستقبل.

إن هذه الفكرة لا يجب أن تُقابل بالسخرية أو الرفض المسبق بل يجب أن تُدرس بعناية لأنها تفتح باباً مهماً للنقاش حول مفهوم المشاركة المجتمعية والعدالة الاجتماعية والمسؤولية الوطنية. وقد تكون الفكرة قابلة للتطوير والتعديل والإضافة لكنها في جوهرها تستحق أن تُناقش بهدوء وعقلانية لأن الأوطان لا تُبنى بالصوت العالي وإنما تُبنى بالأفكار الجادة والإرادة الصادقة والعمل المشترك.

وفي النهاية فإن مصر التي استطاعت أن تواجه التحديات الكبرى عبر تاريخها قادرة أيضاً على أن تبتكر حلولاً جديدة ومختلفة بشرط أن تتوافر الثقة والشفافية والحوكمة والإرادة الوطنية. فحين يشعر المواطن أن الدولة تحترم مشاركته وأن أمواله تذهب إلى مكانها الصحيح وأن الجميع يساهم وفق قدرته فإن أي مشروع وطني يمكن أن يتحول إلى قصة نجاح جديدة تضاف إلى سجل هذا الوطن العظيم.
خطى الوعي DrEng Medhat Youssef Moischool AbdelFattah Elsisi - عبد الفتاح السيسي رئاسة مجلس الوزراء المصري مجلس النواب المصري - Parliament of Egypt حزب مستقبل وطن أمانة محافظة كفر الشيخ محمد عبدالحميد عرابي Abdelmonem Emam -  عبد المنعم إمام