ميثاق الياسمين

من بَغداد  الحَضارة ​مِنْ أورَ بابلَ، مِنْ جلالِ النخيلِ السامقِ في عراقِ

ميثاق الياسمين
ميثاق الياسمين

​بقلم: رفاه زاير جونه
 بغداد: العراق

من بَغداد  الحَضارة
​مِنْ أورَ بابلَ، مِنْ جلالِ النخيلِ السامقِ في عراقِ الحضارة، أبعثُ سلاماً يمتدُّ كجسرٍ من ضوءٍ ليصافحَ مآذنَ الكويتِ وشواطئَها الساحرة، وتحيةً تليقُ ببيانِ الأديبِ الرفيعِ فيصل العنزي، ذاك الذي يكتبُ بمدادِ الأصالةِ عن كويتِ الإنسانيةِ وخليجِنا العربيِّ، حارسِ الأمجادِ وسندِ العروبةِ المتين. وفي "كنانةِ الله" مِصر، أحيي قلباً لا يهدأ، ومساعيَ الرئيسِ السيسي التي تسابقُ الزمنَ لرتقِ الجراحِ وفضِّ النزاعات، تأكيداً لما خطَّهُ السيدُ عنتر في قراءتِهِ لمواجعِنا التي آن لها أن تندمل.
​يا شبابَ الأمةِ، ويا حراسَ الفكرِ في خيامِ الكشافةِ ومنصاتِ العلمِ: تأملوا عروبتَكم؛ فهي ليست لوناً واحداً باهتاً، بل هي فسيفساءُ السماءِ على الأرضِ. نحنُ خلطةُ السحرِ التي تعانقَ فيها الصليبُ مع المئذنةِ، وامتزجت فيها تراتيلُ السريانِ بأذانِ الفجرِ الصادقِ. تغزلوا بكل مذهبٍ يرى في الخالقِ جمالاً، وبكل دينٍ يرى في الإنسانِ أخاً وقريناً، فالمذاهبُ ليست خنادقَ للبارودِ، بل هي جداولُ محبةٍ تصبُّ في نهرِنا الكبير. استنشقوا بخورَ الكنائسِ العتيقةِ بذاتِ القداسةِ التي تبجلونَ بها مسكَ المساجدِ، فكلُّها مسالكُ تعبرُ بنا نحو "الحبِّ السامي" والتعايشِ النبيلِ.
​ويا قادةَ الرأيِ والقرارِ، ويا مربي الأجيالِ الأوفياء: أمانةُ التاريخِ تناديكم أن تغرسوا في عقولِ أبنائنا حتميةَ فصلِ الدينِ عن السياسةِ؛ صوناً لقداسةِ السماءِ من دنسِ الأرضِ. بينوا لهم أنَّ الدينَ نورٌ سماويٌّ مكانُهُ القلوبُ والمحاريبُ، يُهذبُ الروحَ وينشرُ السلامَ، وهو أرفعُ من أن يُزجَّ في حلباتِ الكراسي ومطامعِ الحكمِ. أما السياسةُ فهي تدبيرُ شؤونِ البشرِ، فنُّ الممكنِ القابلِ للخطأِ والصوابِ، ووظيفتُها تنظيمُ الحياةِ تحت مظلةِ المواطنةِ والعدلِ. إنَّ خلطَهما يفسدُ نقاءَ الإيمانِ ويُلوثُ نزاهةَ الوطنِ، فدعوا المحاريبَ للهِ والبرلماناتِ للإدارةِ، ليبقى الإيمانُ طاهراً والوطنُ حصناً للجميعِ.
​لنوحدِ الكلمةَ ولنشحذِ الهمةَ؛ علّموا الصغارَ أنَّ دمنا واحدٌ، وأنَّ تاريخاً كُتبَ بماءِ الذهبِ لا تمحوُه مؤامراتُ "استعمارٍ" طامعٍ أو أحلامُ "أكاسرةٍ" يتربصونَ بنا من خلفِ الحدودِ. أولئك الذين يبحثونَ عن شقوقِ "المذهبيةِ" و"العرقيةِ" ليمزقوا نسيجَنا. لقد علّمَ الرافدينُ الدنيا أبجديةَ النورِ، وظلَّت مصرُ درعَ العروبةِ، وصار الخليجُ واحةَ المجدِ وروحَ العصرِ، فيما يظلُّ المغربُ والشامُ جناحيِّ الجمالِ والأصالةِ. نحنُ أمةٌ لم تُخلق لتذوبَ في الصراعاتِ، بل لتقودَ العالمَ برسالةِ "الإنسانِ أولاً". فلنقف صفاً واحداً، ولنكتبَ بدمائنا ميثاقَ تعايشٍ لا تزيغُ بهِ رياحُ الفتنِ، مؤمنينَ بأنَّ قوتَنا في تنوعِنا، وبأنَّ عروبتَنا هي السفينةُ التي ترفضُ التبعيةَ وتصونُ الكرامةَ من كلِّ دخيلٍ ومستعمر.