"بين فوهة البركان ونيران المكاتب: صرخة في وجه نيرون الإدارة
بينما تقف المنطقة على فوهة بركان، ويخيم رعب المواجهة الكبرى بين المحور الأمريكي الإسرائيلي
بقلم: أ.د. شيرين أبووردة"
محمد عطية
بينما تقف المنطقة على فوهة بركان، ويخيم رعب المواجهة الكبرى بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران على كل بيت، تبرز مفارقة مؤلمة داخل بعض مؤسساتنا المحلية: "انفصال القيادة عن الواقع". في هذا الوقت، يفترض بالجميع —من أصغر موظف إلى أكبر مسؤول— أن يرتدي "ثوب الطوارئ"، ويستنفر الجهود لحماية الجبهة الداخلية وتماسك المؤسسات. لكن الصدمة الحقيقية تكمن في "الجزر المنعزلة" التي تعيش فيها بعض القيادات الإدارية في أروقة مؤسساتنا وممارسة نموذج يمكن تسميته بـ "نيرون الإدارة"؛ ذلك المسؤول الذي يقف فوق ركام الكفاءات، ممسكاً بيده معول الهدم لا البناء.
إنه الإسقاط العصري للإمبراطور الذي أحرق عاصمته ليرضي غروره، فهؤلاء القادة لا تختلف نرجسيتهم عن "نيرون" شيئاً؛ فهم يشعلون الحرائق داخل مؤسساتهم عبر التعسف الإداري واختلاق الصراعات، بينما "روما" المنطقة من حولهم تحترق فعلياً بلهيب الحروب والأزمات الاقتصادية.
إن "نيرون الإدارة" هو القائد الذي يعاني من انفصال ذهني ووطني؛ ففي الوقت الذي تتطلب فيه التحديات الخارجية —من تهديدات إقليمية وتوابع اقتصادية قاسية تنهك الدولة— جبهة داخلية صلبة وتماسكاً وظيفياً، نراه منشغلاً بـ تصفية حسابات شخصية ضيقة. هو لا يبالي بانهيار الروح المعنوية لمرؤوسيه، ولا يكترث بضياع مقدرات المؤسسة، بل يغني على أنغام "الأنا" المتضخمة وسط صرخات الغلاء والرعب من المجهول. إنهم قيادات فارغة، يظنون أن القوة في القمع، بينما الحقيقة أنهم يمارسون "الانتحار الإداري" في توقيت لا يحتمل عبث الصغار
التعسف الإداري في زمن الأزمات ليس مجرد سوء إدارة، بل هو "خيانة للواقع" تفرض علينا البحث في انتمائاتهم . فبينما يواجه المواطن ضغوطاً اقتصادية طاحنة ناتجة عن توترات الملاحة وتراجع الموارد، تأتي هذه القيادات لتزيد الطين بلة بقرارات تعسفية تهدف إلى إثارة القلاقل وزرع المشاحنات بين الزملاء. هم غارقون في "الأنا" المتضخمة، وكأنهم يعيشون في كوكب آخر لا تصله أصوات المدافع ولا صرخات الاقتصاد.
إن القيادة التي لا تدرك حجم المخاطر المحيطة بوطنها، وتستمر في ممارسة التنكيل الوظيفي أو الانشغال بصغائر الأمور، هي قيادة "عمياء سياسياً وإنسانياً". فالمرحلة تتطلب احتواء الجبهة الداخلية، ورفع الروح المعنوية، وتيسير سبل العمل لمواجهة التحديات الخارجية، لا تحويل المؤسسات إلى ساحات حرب جانبية تُهدر فيها الطاقات والكرامات.
يا هؤلاء.. التفتوا حولكم؛ العالم يتغير، والخرائط تتبدل، والأزمات الكبرى لا ترحم من انشغل بـ "الشللية" والمشاحنات عن بناء حصن المؤسسة. إن الشعور بالمسؤولية الوطنية يبدأ من داخل مكاتبكم، والتعسف في هذه اللحظة هو طعنة في ظهر الاستقرار الذي تحاول الدولة الحفاظ عليه وسط ركام الحروب.
وفي ختام القول، لا نملك إلا أن نرفع أكف الضراعة إلى الله، أن يحمي هذا الوطن من كيد الكائدين وعبث العابثين. اللهم احفظ مصر من كل سوء، وجنّبها فتن الحروب وويلات الصراعات، وقِنا شرّ الأزمات ما ظهر منها وما بطن. اللهم سخر لهذا البلد قياداتٍ تخافك وتقدر حجم المسؤولية، وطهّر مؤسساتنا من كل مفسدٍ لا يراعي فينا ذمةً ولا وطناً. اللهم اجعل مصر كنانتك في أرضك، واصرف عنها نرجسية الجاهلين وظلم التعسفيين، وأنعم علينا بالأمن والأمان والاستقرار.. إنك على كل شيء قدير.
ا.د. شيرين أبووردة أستاذ ادارة الأعمال والتسويق وعميد كلية التجارة السابق #شيرين_أبو_وردة
القاهرة 