من هنا نبدأ …إدمان الأطفال الرقمي بين الوقاية والعلاج
دروس من التجارب العالمية ومسؤولية الأسرة في بناء البدائل
د م مدحت يوسف
1 فبراير 2026
لم يعد إدمان الأطفال الرقمي ظاهرة محلية أو مرتبطة بثقافة بعينها بل أصبح تحديا عالميا يفرض نفسه على جميع المجتمعات دون استثناء خاصة مع بدء التعرض المبكر للتكنولوجيا منذ عمر السنتين بل وأحيانا قبل ذلك في ظل زخم رقمي متسارع وضغوط حياتية ونفسية متزايدة تحيط بالطفل والأسرة معا
التجارب العالمية أثبتت بوضوح أن المنع ليس حلا وأن التشريعات وحدها لا تكفي ما لم تُبن على وعي نفسي وتربوي عميق ففي دول مثل فنلندا وكندا لم تتجه السياسات التعليمية إلى حظر الأجهزة بل إلى إدماجها في إطار تربوي صارم يقوم على التوازن والهدف والرقابة الواعية حيث يتم تعليم الطفل منذ السنوات الأولى معنى الاستخدام المسؤول وكيفية إدارة الوقت والانتباه وهو ما انعكس على انخفاض معدلات الإدمان الرقمي بشكل ملحوظ
في كوريا الجنوبية التي واجهت واحدة من أعلى نسب الإدمان الرقمي بين الأطفال والمراهقين تم اعتماد برامج علاجية نفسية متكاملة داخل المدارس تعتمد على العلاج السلوكي المعرفي والعلاج بالأنشطة الجماعية والعلاج باللعب وهو تدخل سيكولوجي يهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين الطفل وذاته قبل إعادة تنظيم علاقته بالشاشة وقد أثبتت هذه البرامج نجاحا كبيرا في خفض السلوك القهري وتحسين التركيز والاستقرار النفسي
أما في ألمانيا فقد تم التركيز على الأسرة باعتبارها خط الدفاع الأول حيث أطلقت برامج إرشاد أسري إلزامية للأطفال المعرضين لخطر الإدمان الرقمي يتم فيها تدريب الوالدين على فهم الاحتياجات النفسية للطفل ومراحل نموه وتعليمه بدائل واقعية للمتعة الرقمية مع ضبط بيئة المنزل نفسيا وسلوكيا وليس تقنيا فقط
المدخل النفسي في هذا الملف بالغ الأهمية لأن الإدمان الرقمي ليس نتاج حب الطفل للجهاز بقدر ما هو هروب من فراغ عاطفي أو ضغط نفسي أو غياب الاحتواء فالطفل حين لا يجد الإصغاء ولا الحوار ولا النشاط المشترك يبحث عن بديل سريع يمنحه شعورا زائفا بالإنجاز أو المتعة أو الانتماء وهنا تصبح الشاشة ملاذا بديلا
من منظور علم النفس التنموي تختلف احتياجات الطفل باختلاف مراحله العمرية ففي مرحلة من سنتين إلى خمس سنوات يحتاج الطفل إلى اللعب الحركي والتفاعل الوجهي المباشر وتنمية اللغة والخيال وأي تعرض رقمي في هذه المرحلة يجب أن يكون محدودا للغاية ومشروطا بمشاركة أحد الوالدين مع ربطه بالقصص أو الصور التعليمية
من ست إلى تسع سنوات تبرز الحاجة إلى الأنشطة الاستكشافية والمهارات اليدوية والرياضة الجماعية والقراءة المصورة وهنا يكون البديل العملي هو إشراك الطفل في أنشطة فنية ورياضية منتظمة وربط استخدام التكنولوجيا بالتعلم التفاعلي وليس الألعاب السريعة
من عشر إلى اثنتي عشرة سنة تبدأ مرحلة البحث عن الهوية والانتماء وهنا يكمن الخطر الأكبر للإدمان الرقمي إذا لم تُقدّم بدائل حقيقية مثل أندية العلوم والروبوتات والمسرح والبرامج الكشفية والعمل الجماعي الموجه فهذه الأنشطة تشبع الحاجة النفسية للإنجاز والانتماء دون اللجوء إلى العالم الافتراضي
الأسرة في جميع هذه المراحل مطالبة بتقديم بدائل عملية لا وعظية مثل تخصيص وقت يومي للحوار العائلي تنظيم أنشطة أسبوعية مشتركة إشراك الطفل في اتخاذ القرار بناء روتين ثابت للنوم والحركة والتعلم تقديم القدوة في الاستخدام المتوازن للأجهزة فالطفل لا يتعلم مما نقول بل مما نمارس
العلاج في الحالات المتقدمة يتطلب تدخلا سيكولوجيا متخصصا يبدأ بتقييم نفسي دقيق يحدد دوافع الإدمان ثم وضع خطة علاجية تشمل تقليل الاستخدام تدريجيا إعادة تنظيم الوقت إدخال أنشطة بديلة علاجية جلسات دعم نفسي فردي أو جماعي وتدريب الأسرة على أساليب الاحتواء دون صدام
ولا يقل دور الدولة أهمية عن دور الأسرة حيث يتعين حوكمة المحتوى الرقمي الموجه للأطفال وحجب المواقع الإباحية والعنيفة والألعاب التي تعتمد على الإدمان النفسي والاستنزاف السلوكي مع فرض معايير صارمة على منصات النشر والإعلانات الموجهة للنشء
القضية التي نناقشها اليوم ليست صراعا مع التكنولوجيا بل اختبارا لوعينا الجمعي وقدرتنا على بناء إنسان متوازن في عصر لا يمكن فيه الهروب من الأدوات الرقمية الحل لا يكمن في التفكير داخل صندوق المنع بل في بناء منظومة وعي وبدائل وعلاج نفسي متكامل
إدمان الأطفال الرقمي يمكن الوقاية منه ويمكن علاجه إذا تحركنا بعلم لا بخوف وبوعي لا برد فعل وبمسؤولية تشاركية تجمع الأسرة والتعليم والإعلام والدولة فبناء الإنسان الواعي هو الضمان الحقيقي لبناء وطن قوي قادر على مواجهة تحديات المستقبل
#خطى_الوعي #د_مدحت_يوسف #الأخلاقيات #المصرين_بالخارج #القيادة_السياسية #المصريين #الفكر #رئاسة_الجمهورية #رئيس_مصر #السيسي #الادمان #الادمان_الرقمي #الأسره #التعليم #مجلسالوزراء #مجلسـالنواب #مجلسـالوزراء #مجلسالنواب
@topfans خطى الوعي DrEng Medhat Youssef Moischool AbdelFattah Elsisi - عبد الفتاح السيسي رئاسة مجلس الوزراء المصري وزارة التربية والتعليم المصرية نواب مصر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية مجلس النواب المصري - Parliament of Egypt
القاهرة 