من هنا نبدأ ... حماية النشء من الإدمان الرقمي وبناء الإنسان المتوازن منذ الطفولة المبكرة

يأتي هذا المقال باعتباره المقال الثالث في تناول ملف الإدمان الرقمي بعد أن ناقشنا في مقالات

من هنا نبدأ ... حماية النشء من الإدمان الرقمي وبناء الإنسان المتوازن منذ الطفولة المبكرة


بقلم د.م.  مدحت يوسف
28 يناير 2026

يأتي هذا المقال باعتباره المقال الثالث في تناول ملف الإدمان الرقمي بعد أن ناقشنا في مقالات سابقة فقدان التوازن والوعي الرقمي ونواصل اليوم التعمق في قضية شديدة الخطورة وهي الانتشار المبكر للإدمان الرقمي بين الأطفال والذي قد يبدأ من سن ثلاث سنوات ويمتد أثره النفسي والسيكلوجي والسلوكي إلى مرحلة الطفولة المتأخرة والمراهقة في ظل زخم رقمي متسارع أصبح جزءا أصيلا من الحياة اليومية
تؤكد دراسات علم نفس النمو أن السنوات الأولى من عمر الطفل تمثل المرحلة الأهم في تشكيل الدماغ وبناء الوظائف التنفيذية المرتبطة بالانتباه وضبط السلوك وتنظيم المشاعر وأن التعرض غير المنضبط للشاشات في هذه المرحلة يخلق نمطا مبكرا من الاعتماد النفسي على المثيرات الرقمية وهو ما يزيد من احتمالية الإدمان في المراحل اللاحقة
في مرحلة الطفولة المبكرة من سن ثلاث إلى خمس سنوات يحتاج الطفل إلى أنشطة تعتمد على الحركة واللعب الحر والتفاعل المباشر مع الوالدين مثل اللعب التخيلي والقصص المصورة والألعاب الحسية والرسم والبناء بالمكعبات حيث تسهم هذه الأنشطة في تنمية اللغة والخيال والقدرة على التركيز وتشبع الاحتياجات النفسية الأساسية دون اللجوء إلى الشاشات ويكون الحد من الاستخدام الرقمي في هذه المرحلة قائما على الاستبدال لا المنع عبر برامج يومية منظمة تشارك فيها الأسرة بوعي
وفي مرحلة الطفولة من سن ست إلى تسع سنوات يصبح الطفل أكثر قدرة على التعلم المنظم وهنا تبرز أهمية الأنشطة الرياضية الجماعية والقراءة الموجهة والألعاب التعليمية غير الرقمية والأنشطة الفنية والموسيقية التي تعزز الانضباط والتفاعل الاجتماعي ويكون استخدام التقنية في هذه المرحلة محدودا وموجها لأغراض تعليمية تحت إشراف مباشر مع ربطها بالواجبات والبحث وليس بالترفيه المفتوح
أما في مرحلة الطفولة المتأخرة من سن عشر إلى اثنتي عشرة سنة وهي المرحلة الأكثر حساسية في هذا الملف فيحتاج الطفل إلى برامج متكاملة تجمع بين النشاط البدني المنتظم والأنشطة الكشفية والعمل الجماعي وتنمية الهوايات الفردية مثل البرمجة المبسطة أو التصميم أو البحث العلمي الموجه بحيث يتم تحويل التقنية من أداة استهلاك إلى أداة إنتاج ويكون ضبط الاستخدام الرقمي قائما على التوازن والاتفاق المسبق مع الطفل وليس على القسر
وتشير التجارب العالمية إلى أن البدائل الناجحة هي تلك التي تمنح الطفل الشعور بالإنجاز والانتماء فالإدمان الرقمي لا ينشأ من حب الشاشة فقط بل من غياب البديل الذي يلبي هذه الاحتياجات النفسية لذلك تعتمد البرامج الوقائية على بناء جداول يومية واضحة تجمع بين التعلم والنشاط والحوار الأسري والنوم المنتظم
أما على مستوى المعالجة فتؤكد المعايير الدولية أن التدخل المبكر والمتدرج هو الأكثر فاعلية حيث يتم تقليل وقت الشاشة تدريجيا مع إدخال أنشطة بديلة مناسبة للعمر وتقديم دعم نفسي يساعد الطفل على فهم سلوكه وتنظيم وقته وتطوير مهارات التحكم الذاتي دون إشعاره بالحرمان أو العقاب
كما تعتمد البرامج العلاجية الحديثة على إشراك الأسرة بشكل أساسي من خلال تدريب الوالدين على وضع حدود واضحة وثابتة وبناء نموذج سلوكي إيجابي فالطفل لا يتعلم من التوجيه فقط بل من القدوة اليومية
وتؤكد الدراسات السيكلوجية أن النجاح في مواجهة الإدمان الرقمي لدى الأطفال يرتبط بوجود بيئة متكاملة تتعاون فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات المجتمعية ضمن إطار وطني واضح قائم على معايير قابلة للقياس والتقييم
إن حماية النشء من الإدمان الرقمي لا تعني إقصاء التكنولوجيا بل تعني إدارتها بوعي منذ السنوات الأولى وبناء علاقة صحية معها تتطور مع العمر والنضج فكل مرحلة عمرية لها احتياجاتها وأنشطتها وبرامجها الخاصة
القضية التي نناقشها اليوم هي قضية بناء إنسان قبل أن تكون قضية استخدام أجهزة فالطفل الذي يُبنى وعيه منذ سن مبكرة عبر أنشطة متوازنة وبدائل صحيحة يصبح شابا قادرا على التفاعل مع العصر دون أن يفقد توازنه النفسي أو هويته الإنسانية
الوعي الرقمي المبكر المدعوم ببرامج أنشطة مناسبة لكل مرحلة عمرية هو استثمار وطني طويل الأمد وبناء الدولة يبدأ دائما من بناء الطفل