من هنا نبدأ...عندما يغيب التنسيق يتحول القرار إلى أزمة قراءة في أثر القرارات الاقتصادية على صورة الدولة وثقة مواطنيها

في لحظات التحول الكبرى لا تكون القرارات الاقتصادية مجرد إجراءات

من هنا نبدأ...عندما يغيب التنسيق يتحول القرار إلى أزمة قراءة في أثر القرارات الاقتصادية على صورة الدولة وثقة مواطنيها
من هنا نبدأ...عندما يغيب التنسيق يتحول القرار إلى أزمة قراءة في أثر القرارات الاقتصادية على صورة الدولة وثقة مواطنيها


د.م. مدحت يوسف

في لحظات التحول الكبرى لا تكون القرارات الاقتصادية مجرد إجراءات تنظيمية بل تتحول بحكم الواقع إلى رسائل سياسية وسيادية تعكس طريقة إدارة الدولة لنفسها وتوازنها بين المصالح الآنية والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى ومن هذا المنطلق يصبح من الضروري قراءة قرار فرض رسوم جمركية تصل إلى 37% على الهواتف المحمولة الداخلة إلى مصر قراءة شاملة تتجاوز منطق الجمارك إلى منطق الدولة

هذا القرار لم يعد شأنا فنيا محدودا بل أصبح حديث كل فئات المجتمع داخل مصر وخارجها وتداولته وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية ومنصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع وهو ما جعله ينتقل من كونه قرارا إداريا إلى كونه قضية رأي عام لها انعكاسات نفسية واقتصادية وسياسية

الأخطر أن هذا الجدل لم يبق في إطاره الطبيعي بل استغلته بعض الشبكات ذات الخطاب السلبي تجاه الدولة المصرية والكتائب الإلكترونية المعادية التي وجدت فيه فرصة جاهزة لبث رسائل تحريضية وبوسطات منظمة تحث المصريين بالخارج على عدم التحويل أو تقليل التحويلات وهو مسار شديد الخطورة لأنه يضرب أحد أهم مصادر الاستقرار الاقتصادي

نحن في توقيت أعلن فيه دولة رئيس مجلس الوزراء أن تحويلات المصريين بالخارج اقتربت من 40 مليار دولار وهو رقم يعبر عن ثقة حقيقية في الدولة وليس مجرد رقم مالي ونحن في توقيت تتحرك فيه وزارة الخارجية والهجرة بشكل واضح لرفع قيمة المصريين بالخارج وتعزيز ارتباطهم بوطنهم وتوظيف دورهم كقوة ناعمة واقتصادية ونحن في توقيت تعمل فيه وزارة السياحة على زيادة أعداد السائحين من مختلف دول العالم وترسيخ صورة مصر كدولة مستقرة وجاذبة للاستثمار والسياحة وفي القلب من ذلك كله تعمل القيادة السياسية بلا توقف على رفع قيمة مصر داخليا وخارجيا وتنشيط الاقتصاد واستكمال بناء الجمهورية الجديدة

في هذا السياق يصبح السؤال الجوهري مشروعا هل تناقش الحكومة بكل وزاراتها القرارات التي تصدر من أي وزارة أو جهة صاحبة قرار أم أن بعض القرارات لا تزال تصدر بمنطق قطاعي محدود دون النظر إلى تأثيرها على بقية القطاعات الدولة لا تدار بعقل الجهة الواحدة بل بعقل الدولة الكامل وقراراتها يجب أن تكون تكاملية لا متفرقة

نحن جميعا مع تنشيط الصناعة المحلية ونعتبره ضرورة وطنية لكن من المهم أن نعيد طرح السؤال لماذا نريد تنشيط الصناعة أليس لتقليل أعباء الاستيراد عن الدولة أليس لتشغيل الشباب أليس لتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الاقتصادي وعدم التأثر بموجات التذبذب في الاقتصاد العالمي أليس لتقليل هيمنة الدولار على أسعارنا هذه الأهداف الاستراتيجية لا تتحقق بقرارات منفردة بل بدراسات متكاملة دقيقة

فيما يخص الهاتف المحمول نفخر أن يُصنَع في مصر ونشجع الشركات التي اختارت التصنيع داخل الوطن لكن دعم الصناعة لا يتحقق فقط عبر الحماية الجمركية بل عبر منافسة حقيقية تقوم على الجودة والسعر لا خلاف أن الجودة تحتاج وقتا لإثبات نفسها لكن السعر يجب أن يكون تنافسيا منذ البداية

فرض رسوم تقترب من 40% على الهاتف المستورد يعني أن المنتج المحلي يصبح أعلى من السعر الحقيقي للمستورد بنحو يقارب 49% وهو فارق كبير يطرح تساؤلات مشروعة حول سلوك السوق وثقة المستهلك والرسالة التي تصل إلى الداخل والخارج

هنا يبرز سؤال سيادي واقتصادي هل درست الجهة التي اتخذت القرار العائد المتوقع من هذه الجمارك مقارنة بما قد نخسره من تحويلات المصريين بالخارج أو من السياحة أو من ثقة المستثمرين ورجال الأعمال فالاقتصاد لا يقاس فقط بما يدخل الخزانة بل بما نحافظ عليه من ثقة وما نمنعه من خسائر غير مباشرة

القضية في جوهرها لم تعد قضية هاتف محمول بل قضية صورة دولة لماذا نفتح في هذا التوقيت بالذات ثغرات تستغلها الخلايا النائمة ضد الدولة المصرية ولماذا نسمح بتشويه صورة مصر أمام أبنائها في الخارج ولماذا نمنح خطابا سلبيا فرصة للانتشار بين السائحين ورجال الأعمال

ثم تأتي آلية مهلة التسعين يوما لتضيف بعدا عمليا آخر للمشكلة رجل الأعمال المصري أو غير المصري الذي يعمل داخل مصر وخارجها قد يسافر ذهابا وإيابا مرتين أو ثلاث مرات في الشهر الواحد فكيف تطبق عليه هذه الآلية وهل روعي في تصميمها طبيعة حركة الأعمال والاستثمار أم أننا نطبق منطق الإدارة الجامدة على واقع اقتصادي متحرك

الموضوع أكبر من جهة تتخذ قرار وأكبر من موبايل الموضوع يتعلق بمنهج اتخاذ القرار داخل الدولة ولماذا نحمل القيادة السياسية فوق طاقتها ونجعلها تتدخل مرارا لمعالجة أخطاء تنفيذية كان يمكن تفاديها لو وجدت دراسة أعمق وتنسيق أفضل

السؤال الذي يجب أن يطرح بوضوح هل نوقش هذا القرار بشكل كاف داخل مجلس الوزراء أم كان قرارا فرديا اتفقت عليه فقط الجهات المستفيدة منه دون النظر إلى الصورة الكاملة خاصة أن لدينا اليوم مجلس نواب جديد وكان من الممكن انتظار مناقشة هذا الملف تشريعيا أو إصدار إطار قانوني متوازن يحقق دعم الصناعة ويحمي المصالح العليا للدولة

بدلا من ذلك انشغل الرأي العام والإعلام والبرلمان بقرار سلبي التأثير أكثر من نفعه وفتح أبواب استجوابات وجدلا كان يمكن تجنبه

ما نحتاجه اليوم هو قيادات تنفيذية ناضجة الفكر تعمل لمساندة رؤية القيادة السياسية لا لتعكير صفوها قيادات تدرك أن كل قرار اقتصادي اليوم هو جزء من معركة وعي وثقة وأن حماية صورة مصر لا تقل أهمية عن أي عائد مالي مباشر

دعم الصناعة الوطنية هدف استراتيجي نعم لكن الطريق إليه يجب أن يكون بعقل الدولة وبمنهج تكاملي يوازن بين الاقتصاد والسياسة ويحمي الثقة ويغلق الثغرات قبل أن تستغل ويجعل من القرار قوة للدولة لا عبئا عليها

#خطى_الوعي #د_مدحت_يوسف #القيادة_السياسية #المصرين_بالخارج #المصريين 
خطى الوعي DrEng Medhat Youssef Moischool AbdelFattah Elsisi - عبد الفتاح السيسي رئاسة مجلس الوزراء المصري نواب مصر مجلس النواب المصري - Parliament of Egypt Abdelmonem Emam -  عبد المنعم إمام Abdelmonem Emam Ahmed Bahaa Shalaby-أحمد بهاء شلبي @topfans صحيفة المصريين بالخارج وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي