من هنا نبدأ ... الوعي الرقمي وبناء الإنسان في عصر التحولات المتسارعة
يأتي هذا المقال امتدادا لمقالنا السابق الذي نُشر في السادس من نوفمبر عام 2025 والذي تناول قضية
بقلم د.م. مدحت يوسف
27 يناير 2026
يأتي هذا المقال امتدادا لمقالنا السابق الذي نُشر في السادس من نوفمبر عام 2025 والذي تناول قضية الإدمان بوصفه خروجا عن التوازن في زمن تتزايد فيه الضغوط النفسية وتتسارع فيه التحولات التقنية بشكل غير مسبوق ونعود اليوم إلى هذا الملف شديد الحساسية برؤية أكثر عمقا ودراسة أوضح في ضوء ما شهدناه من موقف واضح وصريح وتبنٍ مباشر من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لقضية إدمان الأطفال لاستخدام الهواتف المحمولة والألعاب الإلكترونية ووسائط الميديا الحديثة إدراكا لخطورتها البالغة على أجيال يُفترض أن تكون أساس بناء الدولة وضمان استمرار قوتها واستقرارها
هذا الاهتمام الرئاسي لا يمكن فهمه بوصفه مجرد توجيه عابر أو ملاحظة آنية بل هو موقف واع يعكس إدراكا استراتيجيا بأن أخطر ما يواجه الدول في العصر الحديث لا يتمثل فقط في التحديات الاقتصادية أو الأمنية بل في تآكل وعي الإنسان وتشوه بنائه النفسي والفكري خاصة في مراحل الطفولة حيث تتشكل الشخصية وتتكون منظومة القيم وتُبنى القدرة على التمييز واتخاذ القرار ومن هنا جاء تدخل القيادة السياسية بشكل مباشر وحاسم انطلاقا من مسؤوليتها الوطنية تجاه حماية الأطفال وصون مستقبل المجتمع
لقد أكدت القيادة السياسية من خلال تصريحاتها أن قضية إدمان الأطفال للتقنية ليست مسألة أسرية أو تربوية محدودة بل قضية أمن مجتمعي تمس حاضر الدولة ومستقبلها فالإدمان الرقمي لم يعد سلوكا فرديا يمكن احتواؤه بسهولة بل تحول إلى ظاهرة مجتمعية لها آثار عميقة على الهوية والانتماء ونمط التفكير والقدرة على التركيز والتحليل وهو ما ينعكس بشكل مباشر على جودة الإنسان وقدرته على المشاركة الإيجابية في بناء وطنه
غير أن الخطورة لا تكمن فقط في الظاهرة ذاتها بل في سوء فهمها أو تبسيطها اختزالا فقد اتجه بعض الطرح العام إلى الدعوة للمنع الكامل للأجهزة الذكية وكأن المشكلة تكمن في الأداة ذاتها بينما الحقيقة أن الإدمان في جوهره هو تجاوز الاعتدال والخروج عن التوازن في أي شيء في الحياة فالأداة في حد ذاتها محايدة لكن طريقة الاستخدام وغياب الوعي والتوجيه هما ما يحولانها من وسيلة نفع إلى مصدر خطر فالإدمان هو أن يفقد الإنسان سيطرته على وقته ووعيه وعلاقاته وأن يتحول الاستخدام الطبيعي إلى سلوك قهري يختل معه التوازن النفسي والفكري
إن ما نراه اليوم من ضعف في التواصل الأسري وتشتت ذهني لدى الأطفال وتراجع في القدرة على التركيز وبناء العلاقات الإنسانية ليس نتيجة لحظة عابرة بل هو حصيلة تراكمية لسنوات من الاستخدام غير المنضبط للتقنية دون بناء وعي مواز أو رقابة تربوية واعية فقد أصبحت الشاشة لدى كثير من الأطفال المصدر الأول للمتعة والمعرفة والتفاعل بينما تراجع دور الأسرة وضعف الحوار داخل البيوت وتقلصت المساحات الإنسانية المباشرة
ولتقريب الصورة فإن الأدوات في ذاتها ليست شرا مطلقا فالسكين على سبيل المثال أداة أساسية في كل بيت ويدخل الأطفال إلى المطبخ دون أن يكون الحل هو إلغاء وجودها بل في تعليم الاستخدام الآمن وبناء الوعي بالمخاطر وهكذا هي التقنية لا نلغيها ولا نعاديها بل نضبط استخدامها ونبني ثقافة واعية تحكم التعامل معها
إن الهواتف الذكية والأجهزة الرقمية أصبحت ضرورة لا يمكن فصلها عن التعليم والعمل والمعرفة في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي لكن خطورتها تتضاعف حين تُترك دون توجيه خاصة في مراحل الطفولة والمراهقة حيث يكون العقل في طور التكوين ومن هنا يتضح أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التقنية بل في غياب الثقافة الرقمية الرشيدة
ومن هذا المنطلق تبرز الحاجة إلى مشروع وطني متكامل للوعي الرقمي تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية بحيث يتم تعليم الأطفال كيف يستخدمون التقنية في التعلم وبناء المهارات وتنمية التفكير النقدي لا في الاستهلاك السلبي والإدمان ويتم دمج الأجهزة الرقمية في العملية التعليمية بشكل منظم وهادف لتصبح أداة بناء لا وسيلة تشتيت
ويظل السؤال المطروح لماذا ننتظر دائما تدخل القيادة السياسية في قضايا تمس صميم بناء الإنسان وأين الدور الاستباقي للمؤسسات التنفيذية والتشريعية فكما أكدت القيادة بوضوح من لا يعرف فليفسح المجال لمن يعرف فالقضايا المصيرية تحتاج إلى وعي وفعل لا إلى انتظار
إن مواجهة الإدمان الرقمي مسؤولية تكاملية لا تنجح إذا عولجت من طرف واحد فالأسرة وحدها لا تكفي دون مدرسة واعية والإعلام لا ينجح دون تشريع منضبط والدولة لا تستطيع دون مجتمع يدرك حجم الخطر فالتكامل هو الضمان الحقيقي لبناء إنسان متوازن نفسيا وفكريا
القضية التي نناقشها اليوم ليست ترفا فكريا بل مسألة بناء دولة فالأوطان لا تُهدم فقط بالسلاح بل حين يُفقد الإنسان وعيه وبناء الجمهورية الجديدة يبدأ من بناء الإنسان القادر على استخدام أدوات العصر دون أن يتحول إلى أسير لها فالوعي الرقمي ضرورة وطنية والتقنية أداة وما بين الأداة والخطر يقف الوعي فإن أحسنا بناءه امتلكنا المستقبل وإن أهملناه دفعنا الثمن أجيالا متعاقبة
#خطى_الوعي #د_مدحت_يوسف #المصرين_بالخارج #القيادة_السياسية #المصريين #رئاسة_الجمهورية #رئيس_مصر #السيسي #الأخلاقيات #الفكر
@topfans خطى الوعي AbdelFattah Elsisi - عبد الفتاح السيسي DrEng Medhat Youssef Moischool رئاسة مجلس الوزراء المصري وزارة التربية والتعليم المصرية نواب مصر وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المصرية وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي بالورقة والقلم مع نشأت الديهي مجلس النواب المصري - Parliament of Egypt
القاهرة 