من هنا نبدأ ...التعليم القومي من رؤية القيادة إلى قرار الدولة

نحو نظام تعليمي وطني واحد يحمي الهوية ويصنع المستقبل

من هنا نبدأ ...التعليم القومي من رؤية القيادة إلى قرار الدولة
من هنا نبدأ ...التعليم القومي من رؤية القيادة إلى قرار الدولة


د. م مدحت يوسف
30 يناير 2026
يأتي هذا المقال استكمالا لمقالنا السابق حول التعليم القومي ودور الدولة في حماية وحدة النظام التعليمي والذي قدم رؤية واضحة لإعادة بناء التعليم على أسس سيادية ومؤسسية ثابتة. ويأتي هذا الطرح اليوم مدعوما بما ورد في مقال فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم خلال زيارته للأكاديمية العسكرية المصرية حيث أكد أن التعليم الحقيقي هو الأساس الجوهري لتحقيق أهداف الدولة وبناء الإنسان المصري.
لم يكن مقال فخامة الرئيس خلال زيارته للأكاديمية العسكرية حديثا بروتوكوليا أو توصيفا عاما بل رسالة استراتيجية مباشرة تعكس رؤية القيادة السياسية بأن بناء الإنسان هو المدخل الحقيقي لبناء الدولة وأن التعليم الجيد والحقيقي هو حجر الأساس لأي تنمية شاملة أو أمن قومي مستدام.
لقد أثبتت التجارب الدولية الراسخة أن الدول القوية تمتلك نظاما تعليميا قوميا واحدا يمثل العمود الفقري لبناء الإنسان والهوية الوطنية. هذا النظام تحميه الدولة وتطوره عبر الأجيال باعتباره أداة استراتيجية من أدوات الأمن القومي والتنمية المستدامة. ورغم تنوع أساليب التدريس ووسائل التقييم يظل هذا النظام هو التعبير الحقيقي عن فلسفة الدولة وقيمها ورؤيتها للمستقبل.
وهذا المعنى يتسق تماما مع ما أكده الرئيس السيسي حين شدد على أن السعي وراء الشهادات دون اكتساب المعرفة الحقيقية لا يحقق الهدف المنشود. فالتعليم الحقيقي لا يقاس بعدد الأنظمة ولا بتغيير المسميات بل بقدرته على بناء عقل ناقد وشخصية متزنة وسلوك منضبط قادر على مواكبة العصر وتحمل المسؤولية.
عرفت مصر هذا النموذج مبكرا منذ نشأة التعليم الحديث وكان النظام القومي المصري لعقود طويلة نظاما قويا في جوهره عميقا في بنيته ومتميزا في مجالات الرياضيات والعلوم وقادرا على بناء عقل تحليلي ناقد. ورغم محدودية الإمكانات في فترات عديدة فقد خرج من رحم هذا النظام علماء ومفكرون أثروا العالم وفي مقدمتهم العالم الجليل أحمد زويل وغيره من رموز العلم.
إلا أن ما شهدته منظومة التعليم خلال العقود الأخيرة كان خروجا تدريجيا عن هذا المسار حيث تم إدخال أنظمة تعليمية متعددة داخل الوزارة الواحدة دون أن تكون امتدادا طبيعيا للنظام القومي الأساسي ودون تقييم مؤسسي طويل المدى للأثر الاستراتيجي. ومع تعاقب القيادات تبنت كل مرحلة رؤية خاصة وأطلقت نظاما جديدا مما أدى إلى حالة من التشتت وإضعاف الاستقرار التعليمي بدلا من تطويره.
اليوم تدير وزارة التربية والتعليم عددا كبيرا من الأنظمة التعليمية المتوازية لكل منها فلسفة مختلفة وأدوات تقييم متباينة وهو وضع لا يتسق مع مفهوم التعليم كمشروع قومي موحد ولا مع ما أكدته القيادة السياسية من ضرورة تطبيق نموذج تعليمي متكامل يمكن تكراره والاحتذاء به.
وهنا تبرز ضرورة التمييز الواضح بين الدور السيادي للوزارة والدور التنفيذي للدولة. فوزارة التربية والتعليم يجب أن تمتلك وتدير نظاما تعليميا قوميا واحدا فقط يدرس لجميع أبناء الوطن ويعبر عن هويته وتكون مسؤولة عن وضع سياساته وتطوير مناهجه وضمان جودته واستقراره. أما الأنظمة التعليمية ذات الفلسفات المختلفة أو الطابع الدولي فيجب أن تدار من خلال كيانات تنفيذية أو شركات تعليمية وطنية مملوكة للدولة تعمل وفق منطق مؤسسي محترف وتخضع لمؤشرات أداء واضحة بعيدا عن التقلبات الوزارية.
وقد أثبتت تجربة مدارس النيل الدولية التي تدار من خلال شركة تعليمية حكومية بقرار سيادي أن الإدارة المؤسسية المستقرة قادرة على تحقيق جودة حقيقية واستدامة طويلة المدى. وهو نموذج يمكن البناء عليه وتعميمه لإدارة باقي الأنظمة غير القومية مع بقاء الوزارة جهة تخطيط ورقابة وسيادة.
أما ما يطرح حديثا من نظم جديدة مثل نظام البكالوريا المصرية ورغم وجاهة الطرح النظري لبعض عناصره فإنه لا يمكن أن يحقق النجاح إذا تم تقديمه كنظام مواز جديد داخل منظومة تعليمية مزدحمة بالفعل. فالنظام التعليمي لا يبنى بالأفكار وحدها بل بالإدارة المستقرة والحوكمة والرؤية الزمنية الممتدة المرتبطة برؤية الدولة لا برؤية وزير أو مرحلة انتقالية.
وتبقى المناهج التعليمية هي جوهر القضية ومحورها الأساسي. فالمناهج ليست محتوى دراسيا فقط بل أداة تشكيل الوعي وبناء الهوية الوطنية. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إنشاء هيئة وطنية عليا للمناهج تكون مرجعيتها مباشرة إلى القيادة السياسية وتضع أطر وطنية ثابتة وملزمة تنطلق من رؤية الدولة المصرية وتبنى عليها جميع المناهج في مختلف الأنظمة التعليمية مع ترك مساحة التنوع في طرق التدريس والتقييم دون المساس بالهوية أو الفلسفة الوطنية.
إن ما طرحه فخامة الرئيس اليوم من داخل الأكاديمية العسكرية يؤكد أن التعليم قضية أمن قومي لا تحتمل التجريب المتكرر ولا تخضع للرؤى الفردية. والدولة القوية هي التي تمتلك نظاما تعليميا قوميا واحدا تقوده بثبات وتطوره بعلم وتدير تنوع المسارات من خلال مؤسسات تنفيذية محترفة دون أن تمس جوهر النظام أو تضعف هويته.
فإما نظام تعليمي قومي واحد تقوده الدولة بثبات
أو تعدد مسارات يستهلك الجهد ويشتت الهوية مهما حسنت النوايا
#خطى_الوعي #د_مدحت_يوسف #الأخلاقيات #المصرين_بالخارج #القيادة_السياسية #المصريين #الفكر #رئاسة_الجمهورية #رئيس_مصر #السيسي